مقالات

أحمد المسلماني : السعادة إرادة

 


 ( 1 ) يقفُ (27) طاهيًا أمام (20) عضوًا فى لجنة التحكيم سنويًا.. فى بطولة كأس العالم للسوشى. يحاول كل طاهٍ أن يفوز بالكأس وسط عدسات المصورين اليابانيين والأجانب.
 
بدأت وزارة الزراعة اليابانية المسابقة عام 2013.. وفى عام 2016 نشر موقع «بى بى سى» تقريرًا مطولاً حول انتزاع طاهٍ برازيلى الكأس بعد منافساتٍ شديدةٍ فى إعداد الطبق اليابانى الأشهر.

(2) نجحتْ اليابان فى أن تجعل من السوشى- الذى بدأ إعداده فى العصور القديمة حين كان يُترك السمك ليتخمّر.. ثم جرى تطويره إلى السوشى المعاصر- أحد معالم اليابان العالمية، وصورةً بارزةً من صور القوة الناعمة.

أصبح السوشى الذى باتَ سفيرًا للثقافة الاجتماعية، ونمط الحياة اليابانية.. موجودًا فى كل مكان فى العالم. وعلى الرغم من أن السوشى لا يعد طعامًا مقبولاً لدى الكثيرين، ومن المستحيل تناوله فى الريف المصرى ومناطق عديدة حول العالم.. غيْر أنَّ اليابان قد نجحت فى أن تمرر ثقافة السوشى ببطء، وأن يزحف بهدوء.. لينجح فى سنواتٍ قليلة فى غزو العالم. وزادت أعداد مطاعم السوشى خارج اليابان من (55) ألف مطعم عام 2014 إلى (90) ألف مطعم عام 2015، إلى أكثر من (100) ألف مطعم سوشى خارج اليابان عام 2017.

(3) إن قائمة الطعام الوطنية باتتْ جزءًا من القوة الناعمة للدولة. فى عام 2013 وضعتْ منظمة اليونسكو «السوشى» ضمن قائمة الحفاظ على التراث الثقافى.. وهو ما رسّخ الطعام اليابانى خارج الحدود.

ولاتزال الولايات المتحدة تغزو حياة العالم من خلال مطاعم ماكدونالدز وكنتاكى ومقاهى ستاربكس.. التى لم تعُد فقط شركات عملاقة تجنى مليارات الدولارات سنويًّا.. بل أصبحت من أبرز معالم «الأمركة» وأبرز ركائز القوة الناعمة الأمريكية. وفى مدينة نيويورك وغيرها.. كانت دهشة المصريين بلا حدود إزاء المحاولات الصهيونية للتأكيد على أن «الفلافل» هى وجبة يهودية قديمة.. ونشب بين أصحاب المطاعم المصرية واليهودية ما يُسمى «حرب الفلافل»!

وتأتى المحاولات الصهيونية للاستيلاء على الملكية التاريخية لقائمة طعام مصرية أو عربية.. تتضمن على رأسها «الفلافل المصرية».. فى سياق المحاولات الصهيونية لتزييف الماضى وسرقة التاريخ.

(4) لماذا لا تقوم وزارة الزراعة أو وزارة السياحة بإطلاق بطولة «كأس العالم للفلافل» أسوةً بـ«كأس العالم للسوشى»؟

سيبدأ الأمر بكلامٍ فارغٍ لجهلاء عبر الإنترنت يسخرون من طعامنا وحياتنا.. لا يهم هؤلاء، المهم أن نمضى فى صناعة البهجة.. إن الأمر ليس فقط ترسيخًا لتاريخ وتأكيدًا لامتلاك بلادنا قائمة طعام تعود لآلاف السنين.. ولكن الأمر يتجاوز ذلك لصناعة البهجة فى حياتنا المعاصرة.

وحين بدأت «مؤسسة المسلمانى الخيرية» الإعداد لمهرجان المربى الدولى قبل سنوات.. كان حجم السخرية كبيرًا.. لولا أن أدرك الساخرون أن مهرجان المربى يستهدف صناعة البهجة ومعها صناعة الخير.. حيث كان الهدف.. توزيع عبوات المربّى على الصف الأول الابتدائى فى المدارس الفقيرة.. فى إطار مكافحة سوء التغذية.

إن الفيلم السينمائى «فول الصين العظيم» يمكن أن يتحوّل فى الواقع إلى «كأس العالم للفول».. ويمكن أن يمتدّ الأمر إلى مسابقات أخرى عديدة.

إننى أندهش من حجم الابتكارات فى صناعة البهجة، كلما زرت بلدًا حول العالم.. مهرجانات واحتفالات لا نهاية لها.. ومسابقات متنوعة لا حدود لها.. ومحاولات جادّة أو عابثة.. مخطّطة أو غير مخطّطة.. لجعل حياة الناس أجمل وأرقّ.. أقل عناءً وأكثر بهاءً.

لقد كانت مصر أول صانعة للسعادة.. وأشهر مقولةٍ مصريةٍ حول أصل بناء الدولة: «اللى بنى مصر كان فى الأصل حلوانى».. إشارة إلى السعادة كمفهوم أصيل فى تأسيس الحياة المصرية.

كانت احتفالات وفاء النيل ضمن احتفالات عديدة لدى المصريين.. وحتى سنوات قريبة كانت مهرجانات الحصاد وبطولات الضحك والبهجة تجرى فى الريف قبل العاصمة.. وفى كل شهور السنة بلا انقطاع.

(5) ليس من المناسب أن يتم سجن السعادة فى صفحات الفيسبوك، واختصار النكتة فى إفيهات رخيصة وعدائية فى معارك الإعلام الاجتماعى. وليس من المناسب أيضًا.. أن تتحول حياة المصريين إلى شاشة موبايل.. وأن تكمن علاقتهم بالمحيط المحلى والمحيط الأبعد.. فى حفنة تغريدات أو بعض من صور «الانستجرام» أو مقاطع «السناب شات».. ليس من المناسب أن تتحوّل ثقافة الاستحسان والتقدير إلى حفنةٍ من «اللايكات» الخالية من وهَج المشاعر ونبْض الحياة.

إن الأزمة الاقتصادية وصعوبة العيْش.. وتحديّات الخارج.. إنمّا توجب عدم الاستسلام لمحاولات الإحباط والتيئيس.. أو الاستغراق فى هموم اللحظة وقسوة الواقع.

لا تنبع السعادة فقط من الأسباب الموضوعية والحقائق القائمة.. بل تنبع أيضًا من الإرادة النفسيّة وصناعة البهجة.

إن السعادة رؤيةٌ وخطةٌ.. هى إطارُ عملٍ وخريطة طريق. لا تنبع أيديولوجيا السعادة من الواقع فحسب.. بل يمكنها أن تنهض فى غياب الواقع.

يمكن أن تكون سعيدًا من غير سبب.. دون أن يكون ذلك قلةً فى الأدب.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.